بأبي أنت وأمي
يا رسول الله
( وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ )
صلى عليك الله يا علم الهدى *** واستبشرت بقدومك
الأيامُ
هتفت لك الأرواح من أشواقها *** وازينــت بحديثك الأقلامُ
ما
أحسن الاسم والمسمَّى ، وهو النبي العظيم في سورة عمّ ، إذا ذكرته هلَّت
الدموع السواكب ، وإذا تذكرته أقبلت الذكريات من كل جانب .
وكنت إذا ما اشتدّ بي الشوق والجوى ***
وكادت عُرى الصبر الجميل تفصمُ
أُعلِّل نفسي بالتلاقي وقربــــه *** وأوهمــها لكنّــــها تتوهم
المتعبد في غار حراء ، صاحب الشريعة الغراء ، والملة السمحاء ، والحنيفية
البيضاء ، وصاحب الشفاعة والإسراء ، له المقام المحمود ، واللواء المعقود ،
والحوض المورود ، هو المذكور في التوراة والإنجيل ، وصاحب الغرة والتحجيل ،
والمؤيد بجبريل ، خاتم الأنبياء ، وصاحب صفوة الأولياء ، إمام الصالحين ،
وقدوة المفلحين
( وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ )
.
السماوات شيّقات ظِمـــاءُ *** والفضــا
والنجوم والأضواءُ
كلها لهفة إلى العلَم الهــــا *** دي وشـوق لذاتــه واحتفـاءُ
تنظم في مدحه الأشعار ، وتدبج فيه المقامات الكبار ، وتنقل في الثناء عليه
السير والأخبار ، ثم يبقى كنـزاً محفوظاً لا يوفّيه حقه الكلام ، وعلماً
شامخاً لا تنصفه الأقلام ، إذا تحدثنا عن غيره عصرنا الذكريات ، وبحثنا عن
الكلمات ، وإذا تحدثنا عنه تدفق الخاطر، بكل حديث عاطر ، وجاش الفؤاد ،
بالحب والوداد ، ونسيت النفس همومها ، وأغفلت الروح غمومها ، وسبح العقل في
ملكوت الحب ، وطاف القلب بكعبة القرب ، هو الرمز لكل فضيلة ، وهو قبة الفلك
للخصال الجميلة ، وهو ذروة سنام المجد لكل خلال جليلة .
مرحباً بالحبيب والأريب والنجيب الذي إذا تحدثت عنه تزاحمت الذكريات ،
وتسابقت المشاهد والمقالات .
صلى الله على ذاك القدوة ما أحلاه ، وسلم الله ذاك الوجه ما أبهاه ، وبارك
الله على ذاك الأسوة ما أكمله وأعلاه ، علَّمَ الأمة الصدق وكانت في صحراء
الكذب هائمة ، وأرشدها إلى الحق وكانت في ظلمات الباطل عائمة ، وقادها إلى
النور وكانت في دياجير الزور قائمة .
وشبَّ طفل الهدى المحبوب متشحاً *** بالخير
متزراً بالنور والنار
في كفه شعلة تهدي وفي دمـــه *** عقيدة تتحـــدى كل جبارِ
الفرس والروم واليونان إن ذكروا *** فعند
ذكرك أسمال على قزم
هم نـمَّقوا لوحة بالـرِّقِ هائمـة *** وأنت لوحك محفوظ من التهمِ
وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم ، وإنك لعلى خُلُق عظيم ، وإنك لعلى نهج قويم ،
ما ضلَّ ، وما زلَّ ، وما ذلَّ ، وما غلَّ ، وما ملَّ ، وما كلَّ ، فما
ضلَّ لأن الله هاديه، وجبريل يكلمه ويناديه ، وما زلّ لأن العصمة ترعاه ، والله أيده وهداه ، وما ذلّ لأن النصر حليفه ، والفوز رديفه ، وما غلّ لأنه
صاحب أمانة ، وصيانة ، وديانة، وما ملّ لأنه أُعطي الصبر ، وشُرح له الصدر
، وما كلّ لأن له عزيمة ، وهمة كريمة ، ونفساً طاهرة مستقيمة .
كأنك في الكتاب وجدت لاءً *** محرمة عليــك
فلا تحلُّ
إذا حضر الشتاء فأنت شمسٌ *** وإن حل المصيف فأنت ظلُّ
صلى الله عليه وسلم ما كان أشرح صدره ، وأرفع ذكره ، وأعظم قدره ، وأنفذ
أمره ، وأعلى شرفه ، وأربح صفقة من آمن به وعرفه ، مع سعة الفناء ، وعِظَم
الآناء ، وكرم الآباء ، فهو محمد الممجد ، كريم المحتد ، سخي اليد ، كأن
الألسنة والقلوب ريضت على حبه ، وأنست بقربه ، فما تنعقد إلا على وده ، ولا
تنطق إلا بحمده ، ولا تسبح إلا في بحر مجده .
نور العرارة نوره ونسيمــــه *** نشر الخزامى في
اخضرار الآسِ
وعليه تاج محبة من ربـــه *** ما صيغ من ذهب ولا من ماسِ
إن للفطر السليمة ، والقلوب المستقيمة ، حباً لمنهاجه ، ورغبة عارمة لسلوك
فجاجه، فهو القدوة الإمام ، الذي يهدي به الله من اتبع رضوانه سُبُل السلام
.
صلى الله عليه وسلم، علَّم اللسان الذكر ، والقلب الشكر ، والجسد الصبر ،
والنفس الطهر ، وعلَّم القادة الإنصاف ، والرعية العفاف ، وحبب للناس عيش
الكفاف ، صبر على الفقر ، لأنه عاش فقيرا ، وصبر على جموع الغنى لأنه ملك
ملكاً كبيرا ، بُعث بالرسالة ، وحكم بالعدالة ، وعلّم من الجهالة ، وهدى من
الضلالة ، ارتقى في درجات الكمال حتى بلغ الوسيلة ، وصعد في سُلّم الفضل
حتى حاز كل فضيلة .
أتاك رسول المكرمـات مسلمـاً *** يريد رســـــول
الله أعظم متقي
فأقبل يسعى في البساط فـما درى *** إلى البحر يسعى أم إلى الشمس يرتقي
هذا هو النور المبارك يا من أبصر ، هذا هو الحجة القائمة يامن أدبر ، هذا
الذي أنذر وأعذر ، وبشر وحذر ، وسهل ويسر ، كانت الشهادة صعبة فسهّلها من
أتباعه مصعب ، فصار كل بطل بعده إلى حياضه يرغب ، ومن مورده يشرب ، وكان
الكذب قبله في كل طريق ، فأباده بالصديق ، من طلابه أبو بكر الصديق ، وكان
الظلم قبل أن يبعث متراكماً كالسحاب ، فزحزحه بالعدل من تلاميذه عمر بن
الخطاب ، وهو الذي ربى عثمان ذا النورين ، وصاحب البيعتين ، واليمين
والمتصدق بكل ماله مرتين ، وهو إمام علي حيدرة ، فكم من كافر عفرّه ، وكم
من محارب نحره ، وكم من لواء للباطل كسره ، كأن المشركين أمامه حُمُرٌ
مستنفرة ، فرَّت من قسوره .
إذا كان هذا الجيل أتباع نهــــجه *** وقد حكموا
السادات في البدو والحَضَرْ
فقل كيف كان المصطفى وهو رمزهم *** مـــع نوره لا تذكر الشمس والقَمرْ
كانت الدنيا في بلابل الفتنة نائمة ، في خسارة لا تعرف الربح ، وفي اللهو
هائمة، فأذّن بلال بن رباح ، بحيَّ على الفلاح ، فاهتزت القلوب ، بتوحيد
علاّم الغيوب ، فطارت المهج تطلب الشهادة ، وسبَّحت الأرواح في محراب
العبادة ، وشهدت المعمورة لهم بالسيادة .
كل المشارب غير النيل آسنةٌ *** وكل أرض سوى الزهراء
قيعانُ
لا تُنحرُ النفس إلا عند خيمته *** فالموت فوق بلاط الحب رضوانُ
أرسله الله على الظلماء كشمس النهار ، وعلى الظمأ كالغيث المدرار ، فهزّ
بسيوفه رؤوس المشركين هزّاً ، لأن في الرؤوس مسامير اللات والعُزَّى ، عظمت
بدعوته المنن ، فإرساله إلينا أعظم منّة ، وأحيا الله برسالته السنن ،
فأعظم طريق للنجاة إتباع تلك السنة . تعلَّم اليهود العلم فعطَّلوه عن
العمل ، ووقعوا في الزيغ والزلل ، وعمل النصارى بضلال ، فعملهم عليهم وبال
، وبعث عليه الصلاة والسلام بالعلم المفيد ، والعلم الصالح الرشيد .
أخوك عيسـى دعا ميْتـاً فقام له *** وأنت أحييت
أجيالاً من الرممِ
قحطان عدنان حازوا منك عزّتهم *** بك التشرف للتـاريخ لا بهمِ
|
كتبه الشيخ
الداعية
/
د. عائض القرنـــي
المقال من مكتب
الشيخ عائض خاص بحملة مليار مع محمد صلى الله عليه وسلم
|
== العودة إلى
صفحة المقالات ==